الشيخ محمد آصف المحسني
140
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
أيضا لا بدّ له من مصلحة شخصية . ويمكن أن يقال : إنّ الشرور الواقعة من سوء أفعال العباد الاختيارية لا مصلحة شخصية فيها ، أو لا ملزم لها ولو دائما سوى المصلحة العامّة في جعل الانسان مختار ؛ لكي لا تبطل التكاليف والتشريعات ، فإنّ المضطرّ لا يجوز تكليفه ، فتأمّل . ثم إنّه بعد ما ثبت لزوم المصلحة في أفراد الشرور ، لا مانع من إمكان موجود كان شره أكثر من خيره ، كما لا يخفى وجهه على المتأمل ، فتدبّر جيدا . ثم إن جميع ما ذكرنا واضح بحمد اللّه ، فشبهة الشرور مندفعة ، غير إن مسألة خلود الكافرين في العقاب أمر مشكل ، كما سيأتي توضيحه في بحث تعلل أفعاله بالأغراض ، وما أجيب عنه « 1 » من تجسّم الأعمال باطل . المطلب الثاني : قد دريت أن القدرة إنّما تتعلّق بالممكن وحده دون الواجب والممتنع ، فإنّ الشيء إذا كان ضروري الوجود أو العدم ولا يمكن تغيره ، استحال أن يتعلّق به القدرة التي هي بمعنى صحّة الفعل والترك ؛ بداهة تصادم الصحّة والضرورة ، فذات واجب الوجود وصفاته الذاتية خارجة عن دائرة قدرته ، بل لا قدرة على مطلق الذاتيات ، فلا يكون زوجية الأربعة وإمكان الماهيات وفقر الموجودات الممكنة وأمثالها بمقدورة أصلا ، وكذا شريك الباري واجتماع النقيضين ونحوهما . كلّ ذلك ظاهر ، وأمّا قوله تعالى : إن الله على كل شيء قدير « 2 » إمّا منصرف إلى الشيء الممكن من الأوّل بحيث لا يشمل لفظ الشيء الضروريات ، أو هو مخصّص به على تقدير الشمول اللفظي ، ولا فرق في ذلك التخصص والتخصيص بين أن يعبر بعدم القدرة ، وبين أن يعبر بعدم قابلية المحل ، فإنّ الضروري ممّا لا يتعلّق به قدرة القادر ، سواء كان عدم التعلّق من جهة العجز أو من نقص القابل ، فإنكار التخصيص على الثاني كما توهّمه صاحب الاسفار « 3 » لا وجه له . وممّا ذكرنا كلّه ظهر أن ادخال العالم كلّه في بيضة ، مع عدم تصغير العالم ولا تكبير البيضة ، محال غير قابل لتعلّق القدرة الأزلية به ، وقد دلّ عليه مرسلة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السّلام « 4 » قال : إن إبليس قال لعيسى ابن مريم عليه السّلام : أيقدر ربّك على أن يدخل الأرض
--> ( 1 ) المجيب صاحب الأسفار ناسبا جوابه إلى الفلاسفة ، وسيأتي وجه بطلانه في مسألة بطلان الجبر والتفويض . ( 2 ) النور 24 / 45 . ( 3 ) الأسفار ، مباحث الشرور . ( 4 ) البحار 4 / 142 .